فصل: تفسير الآيات (1- 4):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تيسير التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (72- 75):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)}
الهجرة: مفارقة بلدٍ إلى غيره، فان كانت قُرْبةً إلى الله فهي الهجرة الشرعية.
آواه: اسكنه.
قسم الله المؤمنين أربعة أقسام وبيّن حُكم كل منها ومنزلته من بينها:
1- المهاجرون الاولون اصحاب الهجرة الاولى قبل غزوة بدر إلى صلح الحديبية.
2- الانصار الذين كانوا بالمدينة وآووا النبي عليه الصلاة والسلام والمهاجرين من اصحابه عند الهجرة.
3- المؤمنون الذين لم يهجروا.
4- المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحيبية.
1- {إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله} هؤلاء هم الكَمَلَة المؤمنون الذين هجروا أوطانهم فِراراً بدِينهم من فتنة المشركين، وإرضاء لربهم ونصراً لرسوله، ثم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله.
2- {والذين آوَواْ ونصروا} والآنصار من أهل المدينة الذي آووا الرسول الكريم ومن هاجر من اصحابه ونصروهم، وأمّنوهم من المخاوف، وشاركوهم في أمالهم حتى لآآثروهم على انفسهم- فحُكمهم حكم المهاجرين الاولين {أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} بعضهم نصراء بعض في تأييد الحق وإعلاء كلمة الله على الحق.
3- {والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ} والذين لم يهاجروا من المؤمنين، لا يثبت لهم شيءٌ من ولاية المؤمنين ونصرتهم، اذ لا سبيل إلى وَلايتهم حتى يهاجروا.
{وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} وان طلبوا منكم النصر على من اضطهدوهم في الدّين، فانصرُوهم، فإن طلبوا النصر على قوم معاهِدين لكم، لم ينقضو الميثاق معكم فلا تجيبوهم.
{والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه شيء.

.قراءات:

قرأ حمزة: {ولايتهم} بكسر الواو، والباقون بفتحها.
وبهذه المحافظة على العهود والمواثيق سِراً وجهراً امتازت الشريعة الاسلامية على غيرها، فشعارُ أهل الإسلام الوفاءُ بالعهود، والبعد عن الخيانة والغدر.
{(*) والذين كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ} إن الكفار على اختلاف شِيعِهم بعضُهم يوالي بعضاً وينصره ضد الاسلام. قد كان اليهود والمنافقون ومشركو العرب كتلةً واحدة متفين على محاربة الإسلام والمسلمين. وهذا ما يحصل اليوم... جاء اليهود إلى بلادنا واحتلّوا قسماً منها بمساعدة النصارى في جميع أقطار الأرض، وقد اتفق على ذلك جميع الأوربيين والأمريكان، كلُّهم مجتمِعون متفقون على حمايةِ اليهود ومساعدتهم ضد الإسلام والمسلمين.
{إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} إن لم تفعلوا ما شُرع لكم من ولاية بعضكم لبعض، ومن تناصرُكم وتعاونكم تجاه وَلاية الكفّار بعضُهم لبعض، يقع من المفتنة والفساد ما فيه أعظمُ الضرر عليكم، بتخاذلكم الذي يُفضي إلى ظفر الاعداء بكم وسلبكم بلادكم. وهذا ما هو حاصل اليوم من تكتّل الأعداء ضدّنا، ونحن متمزقون في عدة دول وامارات، يحارب بعضنا بعضاً والعدو يسرح ويرتع في بلادنا.
{والذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا أولئك هُمُ المؤمنون حَقّاً لَّهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
يبين الله تعالى في هذه الآية ميزةَ المهاجرين والانصار وفضهلم على غيرهم، ويذكر ان هؤلاء المهاجرين وانصار هم المؤمنون حق الايمان وأكمله، فلهم مغفرة تامة من ربهم ورزق كريم في الدنيا والآخرة.
4- {والذين آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فأولئك مِنكُمْ}.
والذين تأخر إيمانهم وهجرتُهم عن الهجرة الاولى، لكنهم هارجوا وجاهدوا معكم اعداءكم لاحقاً، فاولئك منكم أيها المهاجرون والانصار، لهم من الولاية والحقوق ما لبعضكم على بعض، وفي هذا دليل على فضل السابقين على اللاحقين كما جاء في قوله تعالى: {لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} سورة الحديد.
{وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله} وذوو القرابة من المؤمنون أولى من غيرِهم بالبر من المؤمنون أولى من غيرِهم بالبر والنصر والإحسان كما جاء في كتاب الله الكريم، فاتبعوه وتقيدوا به. فهو سبحانه إنما شرع لنا هذه الاحكام في الولاية العامة والخاصة والعهود والمواثيق وصِلة الأرحام وغير ذلك من التشريع، وهو على علم واسع محيط بكل شيء.
وقد استدل الشيعة بهذه الآية عل ان من كان أقربَ إلى الميّت نَسباً فهو أولى بميراثه من الأبعد، فبِنتُ الميت تحجب أخاه عن الإرث لأنها اقرب منه إلى الميت، واختُه تحجب عَمَّهُ لنفس السبب. وهكذا يحجب عندَهم الأقربُ الأبعدَ من جميع المراتب.

.سورة التوبة:

.تفسير الآيات (1- 4):

{بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4)}
براءة: إعذار وإنذار بانقطاع العصمة. فسِيحوا في الأرض: تجوّلوا فيها وتنقلوا. مخزي الكافرين: مذلهم وأذان من الله: إعلام منه تعالى ومن رسوله ببراءتها من المشركين. لم ينقصوكم شيئا: لم يخلّوا في شروط المعاهدة. ولم يظاهروا عليكم: لم يعاونوا احداً عليكم.
لقد دلت تجربة الرسول الكريم واصحابه مع المشركين في جميع انحاء الجزيرة العربية انه هؤلاء لا أمان لهم ولا عهود، ولا يُؤمَن غدرُهم في حالّي القوة والضعف، بل لا يستطيع المسلمون ان يعيشوا على اسس المعاهدات ما داموا على شِركهم. فجاءت هذه السورة تأمر المسلمين بنبذِ عهود المشركين المطلقة، واتمام عهودهم المؤقتة لمن استقام. وهكذا حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى محا الشرك من جزية العرب ودانت كلها للاسلام.
وقد زاد اقبال العرب على الإسم بعد الحجّة التي حجّها أبو بكر سنة تسع للهجرة، وفي هذه الحجة أرسل النبيّ عليّ بن أبي طالب ليلحق بأي بكر، ويتلو على الناس قرآنا. فكان فصلا بين عهدين: عهدٍ كان الإسلام يقوى فيه شيئا فشيئا، لكن مع بقاء الشرك في بعض القبائل، وعهد آخر خلصت فيه الجزيرة كلها للاسلام. والقرآن- الذي تلاه عليّ على الناس، وفَرّق الله به بين هذين العهدين- هو هذه الآيات الكريمة من سورة التوبة.
{بَرَآءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين}.
هذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم أيُها المسلمون من المشركين، فيها إنذار بقطع تلك المعاهدات.
{فَسِيحُواْ فِي الأرض أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ واعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَأَنَّ الله مُخْزِي الكافرين}.
قولوا أيها المسلمون: سِيروا في الأرض وانتم آمنون لا يتعرّضون لكم أحدٌ من المسلمين بقتال مدة أربعة اشهر، تبتدئ من عاشرِ ذي الحجّة من سنة تسع للهجرة (وهو يوم النحر الّذي بُلِّغوا فيه هذه الدعوة)، وتنتهي في العاشر من شهر ربيعٍ الآخِر من سنة عشر. انتقِلوا طوال هذه المدة حيث شئتم، وانتم تفكرون في عاقبة أمركم، ثم تخيَّروا بين الإسلام والاستعداد للقتال، واعلموا انكم لن تُعجزوا الله إذا أصررتم على شِرككم، بل سيسلّط عليكم المؤمنين ويؤيدهم بنصره الذي وعدهم به. والعاقبة للمتقين.
{وَأَذَانٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ} هذا بلاغ من الله ورسوله إلى الناس كافة، في اجتماعهم يوم النّحر من الحجّ الأكبر، يصرح بالبراءة من عهود المشركين.
{فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فاعلموا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله}.
فيا أيها المشركون الناقضونَ للعهدِ: إن تُبتم ورجعتم عن شِرككم بالله، وعن خيانتكم وغدْرِكم، كان ذلك خيراً لكم في الدنيا والآخرة، أما ان بقيتم على ما أنتم عليه، فاعلموا انكم لن تُفلِتوا من سلطان الله ولا من وعده لرسوله وللمؤمنين بالنصر عليكم.
{وَبَشِّرِ الذين كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
وبشّر أيها الرسول الكريم جميع الكافرين بعذاب أليم في الآخرة.
{إِلاَّ الذين عَاهَدتُّم مِّنَ المشركين ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فأتموا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ}.
أما من عاهدتم من المشركين، فحافَظوا على عهودكم ولم يُخِلّوا بشيء منها، ولم يُعِينوا عليكم أحداً- فأوفوا لهم عهدهم إلى نهايته واحترِموه {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} الذين يحافظون على عهودهم.
وفي هذه الآية دليلٌ على أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام ما دام العهدُ معقودا وتصريحٌ بأن العهدّ المؤقت لا يجوز نقضُه الا بانتهاء وقته، هذا إذا حافظ العدو المعاهد على ذلك العهد، فان نقض شيئا منه اعتُبر ناقضاً كما قال تعالى: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً}.
ورى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: بعثني أبو بكر في تلك الحَجَّة في مؤذِّنين بعثَهم يوم النحر يؤذنون بِمِنَى: إن لا يحُجّ بعد العام مُشرِكن ولا يطوفَ بالبيت عُريان، ثم أردف بعليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأمره ان يؤذن ببراءة، عين يتلوها على الناس.

.تفسير الآيات (5- 8):

{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)}
فاذا انسلخ: إذا انقضت وانتهت. الاشهر الحرم: هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم.. حرم الله فهي القتال احصروهم: حبسوهم امنعوهم من الخروج. المرصد: الموضع الذي يرقب فيه العدو. استجار: طلب الامان والحماية. أَجره أمنه. مأمنه: مسكنه الذي يأمن فيه إلاَّك جوارا أو قرابة.
بعد تقريرا لحكم ببراءة الله ورسوله من المشركين، مع استثناء الذين لم ينقُصوا المسلمين شيئاً ولم يُظهروا عليهم أحداً- قفى على ذلك بذكر ما يجب ان يفعله المسلمون بعد انقضاء الأجل المضروب والامان الذي أُعطي لهم.
فاذا انقضت الأشهر الاربعة التي حرَّم الله فيها قتال المشركين، فافعلوا كل ما ترونه موافقاً للمصلحة من تدابير الحرب وشئونها.. اقتلوا الناقضين للعهد في كل مكان، وخُذوهم بالشدّة، واضربوا عليهم الحِصار بسدّ الطرق، واقعدوا لم في كل سبيل فإن تابوا عن الكفر، واسملوا والتزموا باحكام الاسلام- فلا سبيل لكم عليم، لدخولهم في دين الله. ان الله تعالى يغفر لهم ما سبق من الشرك والضلال، فهو واسع الرحة بعباده.
روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله، وان محمداً رسولُ الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا منّي دماءَهم وأموالهم إلا بحق الاسلام، وحِسابُهم على الله».
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يَسْمَعَ كَلاَمَ الله ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلك بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ}.
وان طلب منك الأمانَ أيها الرسول، أحدٌ من المشركين الذين أُمرتُم بقتالهم ليسمعَ دعوتك ويعلم ما أنزلَ الهُ، فأمِّنْه حتى يسمعَ كلام الله، فان دخل في الإسلام فهو منكم، وإن لم يدخل فأبلِغْه مسكنه الذي يأمن فيه. وهذا الأمر بتأمين المستجدِّ من هؤلاء الناس حتى يسمع كلام الله إنما تبريره أنه جاهل للاسلام، وأمثاله قوم لا يدرون ما الكتاب ولا الايمان.
{كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ الله وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الذين عَاهَدْتُمْ عِندَ المسجد الحرام فَمَا استقاموا لَكُمْ فاستقيموا لَهُمْ}.
انتهى في الآيات السابقة من تقرير الاحكام النهائية بين المسلمين والمشركين في الجزيرة، فأخذ في الآيات اللاحقة يقرر انه لا ينبغي ان يكون للمشركين عهد عند الله وسوله: كيف يكون لهؤلاء الناقضين للعهود مرارا، عهدٌ محترم؟ لا تأخذوا ايها المسلمون بعهودهم الا لاذين عاهدتموهم منهم عند المسجد الحرام (مثل بني كِنانة وبني ضمَرة) لأنهم لم ينقضوا عهدهم الذي عاهدوا الرسول عليه يوم الحديبية، وهي قريبة من مكة، ولذلك قال تعالى: عند المسجد الحرام. فاستقيموا ايها المسلمون على عهد هؤلاء ما دااموا مستقيمين {إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين} الذين يخشون نقض العهد، فلا يفعلونه.
{كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً}.
كيف تحافظون على عهدوهم، وهم قوم إن تمكنوا لم يدّخروا جُهدا فيا لقضاء عليكم، غير مراعين جواراً ولا قرابة ولا عهدا.
ثم بين الله ما تنطوي عليه نواياهم من الضغينة فقال: {يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وتأبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ}.
انهم يخدعونكم بكلامهم المعسول، وقلوبهم منطوية كراهيتكم، وأكثرُهم خارجون عن الحق ناقضون للعهد، فليس عندهم وفاء لكم ولا ود.